سلطت حلقة برنامج “خريطة واضحة” الضوء على الدور الإقليمي والدولي المتصاعد لـ تركيا، مع الباحث والكاتب السياسي الأستاذ جيل سماحة لتفكيك الجذور التاريخية والمقومات الجيوسياسية التي أعادت صياغة مكانة تركيا كقوة وسطى كبرى في العالم المعاصر.

وفي التفاصيل، استهل النقاش بالوقوف عند الموقع الجغرافي الفريد لتركيا، باعتبارها حلقة وصل تاريخية وطبيعية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وممراً برياً وبحرياً حيوياً عبر المضائق الاستراتيجية (كالبوسفور والدردنال) التي تربط البحر الأسود بشرق المتوسط. وإلى جانب تضاريسها المحصنة ومناخاتها المتنوعة، لفتت الحلقة إلى البعد الديموغرافي المتمثل بتعداد سكاني يبلغ نحو 90 مليون نسمة، مما منحها قاعدة بشرية واقتصادية صلبة بغض النظر عن الحقب التاريخية. وعرج التحليل على مرحلة التحول الكبرى من إمبراطورية متعددة الأعراق (تمثلت بالسلطنة العثمانية) إلى دولة قومية حديثة ذات طابع علماني أُسست على الطراز المعاصر في أوائل العشرينيات، مع الاحتفاظ بالإرث الإداري والعسكري العريق لإدارة الممرات وخطوط التجارة.

كما تطرق النقاش إلى ركائز القوة الداخلية التي تبنتها تركيا طوال عقود طويلة (من العشرينات حتى السبعينات)، حيث ركزت الدولة على بناء مؤسساتها واقتصادها المنتج المتنوع وشبكات النقل والمطارات العملاقة، بالتوازي مع تطوير قدرات عسكرية وصناعية مستقلة -برزت جلياً في قطاع الطائرات المسيرة “بيرقدار” والدبابات المحلية- إلى جانب توسيع شبكة شركات المقاولات الكبرى وقطاع السياحة الجاذب. وأشار سماحة إلى أن انغلاق أفق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتراجع التأثير الأمريكي المباشر بعد الحرب الباردة دفعا بتركيا نحو إعادة توجيه بوصلتها الاستراتيجية نحو الإقليم والعالم، مستفيدة من عضويتها في حلف الناتو وعلاقاتها المتوازنة مع روسيا وأوكرانيا والصين.

وفي الشق الإقليمي، بحثت الحلقة تداعيات بروز تحالفات استراتيجية جديدة كاتفاق التعاون الثلاثي بين تركيا وباكستان والسعودية باعتبارها محاور توازن تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والعسكرية، فضلاً عن انعكاسات هذا الصعود التركي وتقاطع مناطق النفوذ على دول الجوار وخصوصاً سوريا ولبنان. وخلص التحليل إلى التأكيد بأن مستقبل الدور التركي الخارجي يظل محكوماً بمدى استقرار معادلاتها الداخلية لا سيما القضية الكردية والتحديات الهيكلية للتضخم الاقتصادي وتطورات التوازنات الدولية المعقدة.